أنشأ الخليفة المأمون بيت الحكمة ببغداد فترة حكمه في القرن التاسع الميلادي. عرف عهده وفرة في تجميع و ترجمة معارف الهند و الإغريق، شارك فيهما بفعالية الرهبان المسيحيون الذين عرفوا بإتقانهم لعدة ألسن، و كذلك كثير من الدارسين الفرس. و يدل على كل هذا التعدد كتاب الفهرست لإبن النديم (ق. 10) الذي دوّن لكل ما قدّمته مختلف مكونات الأمة الإسلامية آنذاك. فالإسلام كان يشكل فضاء حضاريا رحبا و العربية لغة الفكر و الترجمة.
عرفت الأندلس في القرنين الحادي عشر و الثاني عشر ميلادي ازدهارا فكريا كبيرا و تميّزت بتنافس كبير بين قرطبة و بغداد في ترجمة كتب و معارف القدماء. لم يكن إذن بزوغ نجم ابن رشد صدفة و إنما نتاجا لهذا السياق الفكري الخصب الفريد من نوعه. لكن لم تخلو حياة هذا الفيلسوف من صعوبات و محن -خصوصا في آخر سنين عمره- بعدما وقع تحت غضب حكام الأندلس الواقعين تحت تأثير بعض الفقهاء المتشددين.
يقول الأستاذ محمود عزب أن انتقاد الغزالي للفلاسفة في كتابه "تهافت الفلاسفة" لا ينفي عنه أبدا صفة الفيلسوف. فقد حاول الغزالي من وجهة نظره تخليص الفكر الإسلامي من تأثير الفلسفة الإغريقية و توضيح قصور المنطق الفلسفي في الإجابة على نقاط تتعلق أساسا بمسألة بعث الأجسام و الأرواح، معرفة الله بتفاصيل الحياة و عمومياتها، و مسألة قدم الوجود. ردّ ابن رشد على الغزالي في كتابه "تهافت التهافت" محاولا تبيان مظاهر التناقض في كلامه.
في كتابه "فصل المقال و تقرير ما بين الشريعة و الحكمة من اتصال"، يحاول ابن رشد تفكيك كل ما يمكن أن يخلق تعارضا بين العقل و الوحي و هو يقصد ضمنيا الإمام الغزالي و كذلك القضاة و أهل الشريعة الذين نجحوا في آخر أيام ابن رشد في الفوز بشعبية الجمهور و رضا الخليفة. أدّت فترة الانحطاط في الأندلس إلى إبعاد ابن رشد عن منصبه كقاضي القضاة و عن قرطبة بضعة سنين عقب إصدار ما سمي آنذاك بمنشور تحرير الفلسفة.
يرى الدكتور عزب من وراء التقليص من دور العرب في تدوين و إغناء الإرث الفلسفي الإغريقي محاولة من بعض المستشرقين نفي وجود فلسفة عربية إسلامية. يستنكر عزب هذا الموقف المتشدّد و يفسّره بما يسود العلاقات الحالية بين الغرب و الإسلام من انعدام ثقة، و يقارن في هذا الصّدد بين هؤلاء المستشرقين و بعض المتشدّدين الإسلاميين الذين ينفون عن الإسلام أية علاقة بالفلسفة و يحصرونه فيما يدرسون من علوم دينية تقليدية صرفة.
يشدّد الدكتور عزب على ضرورة نشر فكر و أعمال ابن رشد بين عامة الجمهور و هو يحيي في هذا الصدد فيلم "المصير" ليوسف شاهين. لا يجب أن يبقى إرث ابن رشد محصورا بين طبقة من المثقفين المحظوظين و لكن يجب التعريف به بين الأوساط الشعبية عن طريق الإعلام و التعليم.